sawah

جريدة اخبارية ثقافية فنية اسبوعية منوعة

لاتسطر الباحثة والناشطة الفلسطينية غادة الكرمي سيرتها فقط بل مجمل (السيرة الفلسطينية) التي مضى عليها قرن من الدماء والدموع والدمار والرحيل والتشرد. فسيرة الكرمي الجديدة ليست كالأولى في كتابها (البحث عن فاطمة)(2002) التي ضمنتها ذكرياتها التي

خزنتها في طفولتها قبل أن تجبر عائلتها الرحيل عن فلسطين. ومثل بقية الراحلين إلى الدول القريبة حطت الرحال بالعائلة أولا في دمشق حيث لها جذور بسبب نشاط عميد العائلة الشيخ سعيد الكرمي ومن ثم إلى لندن حيث عمل والدها حسن الكرمي المثقف الموسوعي وصاحب أشهر برنامج في محطة (بي بي سي).
وفي مذكرات غادة الأولى عن طفولتها وبيت عائلتها في القطمون وهو حي النخبة في القدس الجديدة ومن ثم الهجرة إلى لندن تبرز شخصية حسن الكرمي كونها باردة وطاغية. ونعرف في المذكرات الجديدة (عودة: مذكرات فلسطينية) (2015) الصادرة عن (أي بي توريس) أن والدها أجبرها على دراسة الطب في جامعة بريستول في وقت لم تكن البنت الانكليزية تطمح لأبعد من دور سكرتيرة أو معلمة في الأغلب، لكنها مهنة لم تكن تريدها الكاتبة واضطرت لممارستها من أجل العيش والحياة. في المذكرات الأخيرة تبدأ بحسن الكرمي في عمان وهو على سرير المرض حيث عاش قرنا من الزمان وتنتهي بوفاته عام 2007 لكن (العودة) لغادة الكرمي إلى فلسطين هي عودة لاستكمال ما لم تقله وتكتشفه في السيرة الأولى، فهي استكشاف جديد في خريطة فلسطين واستعادة لتاريخ المكان عن قرب والذي يبدو محاصرا ومحاطا بالمستوطنات والخوف ونقاط التفتيش رغم أن الزمان هو زمان السلطة الوطنية الفلسطينية.
وتكشف الرحلة المثيرة والمكثفة والمليئة بالخوف والرعب أحيانا والحنين واللقاءات الجميلة عن (ضياع) الحلم الفلسطيني. وكأن ما كانت تردده والدة غادة في المنفى (ضاعت فلسطين) صار حقيقة. كل هذا رغم استعداد الوالدة التي رحلت للعودة، ورفضت طوال خمسين عاما قضتها في لندن تغيير شكل البيت لأن الحنين ظل لقطمون رغم احتلاله وسرقة محتوياته ونقل كتبها للمكتبة الصهيونية في الجامعة العبرية. وفي (عودة) تقدم الكرمي (تنهيدة أخيرة للفلسطيني) والثورة التي عاشتها وظلت مرتبطة بها. فالعودة إلى فلسطين هي لاكتشاف مآل الثورة الفلسطينية الحديثة التي بدأت في المنفى وظلت الرموز الثورية محلية وعالمية لبناء ما طمحوا به، دولة فلسطينية والتي لم تقم إلا على الورق. ويستبطن القارئ لمذكرات غادة الكرمي صورة عن خيبات الفلسطيني في الخارج وتقدم الزمن الذي لم يعد فيه الناشط والسياسي مهتما بالمصير الفلسطيني قدر اهتمامه بالآني خاصة في عاصمة فلسطين الجديدة رام الله التي يتحرك فيها ناشطون وسياسيون ورموز منشغلون بالسفريات والمشاركة في المؤتمرات أو العمل مع المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية التي تمول المشاريع والوزارات والحكومة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.
تقول غادة إنها «أقسمت أن لا تذهب للوطن المحتل» ولكنها حنثت بقسمها وسافرت مع ابنتها الوحيدة بداية التسعينيات من القرن الماضي حيث زارتا القدس واقتربتا من بيت العائلة القديم الذي تعرفت عليه ويسكنه لاجئون من دول أخرى لا ارتباط لهم بالمكان وحجره وتاريخه. ولكن الزيارة الجديدة وهي موضوع المذكرات لم تكن للبحث أو السياحة بل للعمل كمستشارة مع وزارة الإعلام والإتصالات وتقديم توصيات لتحسين أداء الوزارة وبالتالي عرض القضية الفلسطينية في الخارج بطريقة مقنعة. تصطدم غادة الكرمي بواقع تجد فيه أن هناك وزارتين للإتصالات يدير الوزير ونائبه خططا واستراتيجيات منفصلة والسبب التنافس الشخصي وعدم استلطاف أي منهما للآخر. وتجد نفسها وسط وضع تراقب فيه على كل ما تفعله وتقوم به ومحاربة من داخل المؤسسة التي من المفترض أنها جاءت لمساعدتها. ولا تفصح الكاتبة عن الأسماء الحقيقية للمسؤولين الفلسطينيين لكن من السهل التعرف عليها. وبموازاة عملها تنشغل بمحاولة تحقيق ما لم تحققه إقامتها الطويلة في بريطانيا وهو الشعور بالإنتماء إلى مكان. فهي كما تقول عاشت أكثر من 50 عاما في بريطانيا التي أصبحت بلدها وعاشت فيها وجودا متقلبا سواء على صعيد الحياة الشخصية والعاطفية أو حتى طبيعة العمل «لكنني كنت جزءا من ذلك الجيل الفلسطيني الذي احتفظ بذاكرة عن وطن، مهما كانت متشظية أو غامضة ولكنهم عرفوا أنه وطنهم الحقيقي». وتعتقد أن حنينها إلى الوطن الحقيقي ربما هو انعكاس لشعور والدتها التي لم تتجاوز النكبة عام 1948. وفي رحلتها الصعبة للبحث عن الوطن الحقيقي كانت الكاتبة تعرف أنها لن تجده في رام الله بزمنها الحديث ونخبتها السياسية والجيل الجديد المنفصل عن التاريخ أو الذي يرى الماضي ماض ذهب ولا حاجة للإنشغال به. وكانت تعرف في الوقت نفسه أنها لن تعيد خلق طفولتها. في الحقيقة كانت تعرف أن المكان موجود، هناك قرى ومدن فلسطينية ووجوه لا تزال تحمل عبق الماضي ولم تتخل عن العادات سواء في الضيافة والأعراس. ورغم كل ما سرقته إسرائيل من أرضهم ومعيشتهم لكنها لم تؤد إلى قتل حياتهم الثقافية وشعورهم بالوطن وكرامة. بهذا الحس بدأت غادة الكرمي رحلتها وعملها في وزارة الإعلام ولكنها اكتشفت بعد عام في (الأرض الموعودة) أن الحلم مجرد حلم والحنين هو اشتياق لما يمكن أن يتحقق ولكنه مستحيل. في الخليل ونابلس وقلقيلية ورام الله تكتشف وطنا مختلفا مثخنا بالجـراح ومليئـا بالتناقضـات مسـور بسور (عنصري) ورواية تبحث عن (مدينة داوود) في الخليل. وتلاحظ انشغال الناس فيها بالهموم اليومية وتنقل نظرتهم للأهل في الأرض المحتلة. وفيها تعود لعالم والدها وأفكارها المتطرفة والغريبة حول الدين والتاريخ والحياة.
تكشف غادة الكرمي عن حياتها الشخصية التي اتسمت بالعلاقات غير الناجحة وتعبر عن تمرد الشابة وكذلك عن واقع عائلتها التي رفضت زواجها من زميل لها لمجرد أنه مختلف رغم أنه أسلم من أجل الزواج ولكن التجربة لم تنجح لأن والدتها لم تقبل به. بعد سنوات تتزوج الكاتبة من زميل لها في التدريس أثناء عملها في جامعة اليرموك الأردنية. كان تونسيا يدرس الأنثروبولوجيا دخلت معه مغامرة عاطفية انتهت بالزواج والإنفصال بسبب الحمل الذي لم يكن يريده. كانت نتيجة هذا الزواج هي ابنتها الوحيدة (لالا سلمى) التي تذكرها بوالدها التونسي وعم والدتها أبو سلمى. على خلاف اختها سهام التي تزوجت فلسطينيا واستقرت في دمشق وحلت إشكالية الإنتماء وشقيقها الذي تزوج أوروبية وانتهى بعيدا عن جذوره – بخياره- في كامبريدج. حملت غادة الكرمي في داخلها تمردا وقلقا وبحثا دائما عن مكان تعتبره ملكا لها.

 

 

الصباح الجديد

تحت تصنيف : الثقافية

التعليقات

إضافة تعليق